أهلا, . الرجاء الدخول أو التسجيل
20/03/2010, 10:14:56
833,798 رسائل في 73,525 مواضيع بواسطة 13,538 أعضاء
آخر عضو: Braveheart
الوقت الحالي : 20/03/2010, 10:14:56
زمن الاتصال0 دقيقة.
لا تستطيع رؤية الروابط
تسجيل او دخول
اذاعة منتدى الملحدين العرب ...
*
شبكة الملحدين العرب  |  الآداب و الفنون  |  ساحة الشعر و الأدب المكتوب  |  ساحة الشعر والأدب المنقول (مشرفين: فستالا, سجاح)  |  موضوع: بقلم نوال السعداوي « قبل بعد »
صفحات: [1] للأسفل طباعة
الكاتب موضوع: بقلم نوال السعداوي  (شوهد 534 مرات)
طوق الياسمين
عضو جميل
**
غير متصل غير متصل

رسائل: 68



الجوائز

طوق الياسمين.1393.el7ad.org

1393.1393.el7ad.org

« في: 09/03/2007, 16:24:38 »

من نافذة الطائرة أطل على الغابة الصغيرة يسمونها غابة ديوك، عصفت بها رياح المحيط الأطلنطى والهوريكين، خلع عنها الشتاء أوراقها، أشجار البلوط تلمع عارية تحت الشمس، رؤوسها حليقة منتظمة فى صفوف، كرؤوس الجنود فى المحافل والمارشات العسكرية، أشجار الأرز المثلثة الرأس تومض أوراقها بدوائر الضوء، الثالوث المقدس فى عيد ميلاد المسيح، يسمونه الكريسماس، نحن فى اليوم الأخير من الشهر الأخير فى عام 1996، وأنا فى طريق العودة إلى الوطن بعد سنوات المنفى، أشجار الصنوبر بسيقانها النحيفة الرشيقة تتمايل مع الهواء مثل راقصات الباليه، من وراء النافذة الصغيرة المستديرة لوحت بيدى أودعهم، أربعة من طالباتى وإثنان من الطلبة، جاءوا نيابة عن الفصل إلى المطار، عيونهم تلمع فيها الابتسامات والدموع، ينادوننى بإسم دكتر ساداوى، كريس أصغرهم سنا، عمره عشرين عاما، عيناه زرقاوتان بلون مياه المحيط، أكثرهم إنتباها فى فصل الإبداع والتمرد، طويل ممشوق بشرته بيضاء ملوحة بالشمس، فى حفل الوداع بالأمس عزف أغنية على الجيتار من تأليفه وتلحينه:

خذينى معك إلى الشاطئ الإفريقى.

يا ابنة النيل عيناك ساحرتان.

الليل أقضيه حبيس الانترنيت.

وفى الغابة أجرى كالحصان.

أذناى مسدودتان بالسماعات.

رأسى مشدود بالأسلاك.

عيناى تنظران ولا تريان.

آه يا أستاذة التمرد والإبداع.

أريد أن أطير معك فى الحلم.

إلى حيث أعثر على نفسى من جديد.

إلى جوار كريس كانت تجلس كارولين، تتريض معى أحيانا فى الغابة، تفضل الرسم على الكتابة، فى طفولتها كانت مثلى تطير فى الحلم، لم تحلم اختها بالطيران أبدا، سألتنى كارولين، لماذا يعجز بعض الناس عن الطيران فى النوم، أهدتنى لوحة رسمت فيها نفسها محلقة فى الجو ، تحرك ذراعاها فى الهواء وتطير كما كنت أفعل فى أحلامى بدون أجنحة ، وهى فتاة أمريكية ولدت فى مدينة نيويورك، عيناها زرقاوتان نفاذتان، بشرتها سمراء، ولدتها أمها فى حى هارلم الفقير، أبوها أسود اللون جندوه فى حرب فيتنام ولم يعد، حصلت على منحة تفوق وجاءت إلى جامعة ديوك تدرس الرسم والإبداع، تشتغل فى الأسبوع ثلاثة أيام، جرسونة فى مطعم، تنفق على نفسها، وأمها فى هارلم تشتغل عاملة فى مصنع للبلاستيك، تنفق على البيت وأطفالها الأربعة.

قالت كارولين وهى تودعنى، سأدخر ثمن التذكرة إلى القاهرة وأزورك يا نوال، أصبحت تنادينى بإسمى، رغم فارق العمر نتبادل الحديث كأنما من عمر واحد، فى طفولتها كانت تذهب مع أمها إلى الكنسية، كانت تظن أن القسيس هو الله أو المسيح إبن الله، ذهبت إليه لتعترف بذنوبها. كانت فى العاشرة من عمرها. سرقت من زميلة لها فى المدرسة قلما ملونا. كانت تحب الرسم ولم تكن تملك ثمن القلم الملون. سمعت فى الكنيسة أن السرقة حرام، وأن الاعتراف ضرورى لمسح الذنوب. تسللت من وراء أمها وذهبت إلى القسيس. طلب منها أن تركع وتعترف. أغمضت عينها واعترفت بالسرقة. ربت القسيس بيده على كتفها وقال: غفر الله لك يا كارولين، ثم امتدت يده من كتفها إلى صدرها وبطنها، همس فى أذنها لا تخافى ولا تصرخى أنت فتاة مؤمنة يحبها الله. لكن كارولين صرخت من الألم، عرفت أمها ما حدث، تكتمت الخبر، خرجت كارولين من الحادث سليمة، لم تحمل بالمسيح مثل العذراء مريم، وفقدت إيمانها بالله والكتاب المقدس.

أول يوم دخلت إلى الفصل سألت الطالبات والطلبة، لماذا إخترتم هذا الفصل بالذات؟ قال كريس، أنا أدرس الموسيقى، كنت متمردا منذ الطفولة، أريد أن أعرف العلاقة بين التمرد والابداع. وقالت كارولين، أنا أدرس الرسم، فى الطفولة كنت أحلم بالطيران، أختى لم تكن تطير فى الحلم، أريد أن أعرف لماذا يعجز بعض الناس عن الطيران فى الحلم وقالت طالبة هندية إسمها مايا، قرأت روايتك "فردوس" وتغيرت حياتى، فوجئت بإسمك ضمن الأستاذات فى جامعة ديوك، جئت إلى هنا لأكون طالبة فى فصلك. بشرتها سمراء، عيناها سوداوتان يكسوهما البريق، شعرها أسود غزير، فى نهاية العام الدراسى بدأت تكتب رواية طويلة قبل أن تعود إلى الهند.

كان شريف قد سبقنى فى السفر إلى القاهرة. قال لى، يمكننا العودة وقد زال الخطر إلى حد كبير، جاءتنا رسائل تقول أن قائمة الموت لم تعد هناك والأحوال فى مصر أكثر هدوءا، سافر شريف، وبقيت فى جامعة ديوك ثلاثة شهور أخرى حتى انتهى العام الدراسى.

الطائرة تحلق فوق المحيط الأطلسى متجهة شمالا نحو نيويورك. أول مرة ركبت الطائرة منذ سبعة وثلاثين عاما. منذ الطفولة كان هناك حلم يتكرر. أننى أطير فى الجو، أحرك ذراعى كالجناحين وأشعر بجسمى ينفصل عن الأرض ويحلق فى السماء. كأنما أمتطى جوادا له جناحان، أخترق السحب أجدنى فى عوالم أخرى وبلاد لا أعرفها، أتلفت حولى فى ذعر، أرى الأرض بعيدة راقدة فى الظلمة، ومصباح صغير فى نافذة، وطفلة مؤرقة فى الليل ترمق الطائرة فى السماء، تلمع فى الخضم الأسود كالنجمة.

تشهق جدتى حين احكى لها الحلم.

- هذه ليست أحلام البنات.

- وماذا تحلم البنات يا جدتى؟

- يحلمن بالعريس وفستان الزفاف.

لكنى لم أحلم أبدا بالعريس أو فستان الزفاف. وفى كل عيد يشترى لى أبى فستانا جديدا ويشترى لأخى طائرة صغيرة لها زمبلك، كان أخى يلوى الزمبلك بأصابعه حتى ينكسر، يقذف الطائرة فى الهواء، لكنها لا تطير، تسقط إلى الأرض، كنت أجلس إلى جوار حطام الطائرة ثقيلة القلب، أجمع أشلاءها وأعيد تركيبها لتصبح طائرة من جديد، أركب الزمبلك مكانه أسفل البطن، أحركه ناحية اليمين دورة واحدة أو دورتين، فجأة تتحرك الطائرة وتحلق فى الغرفة. أصفق بيدى الإثنتين وأصرخ بالفرح. تسمعنى جدتى أو إحدى النسوة من عائلة أمى أو أبى. أرى تكشيرة الغضب فوق وجهها. تشد الطائرة من يدى وتلقى بها على الأرض، ثم تصرخ:

- تعالى المطبخ مافيش وقت للعب!

كنت أحب اللعب بالطائرة عن تقشير البصل والثوم، أهمس لأمى بأحلامى، كانت أمى فى طفولتها تحلم بالطيران مثلى، لكنهم أمسكوها كما تمسك الفرخة قبل الذبح، وساقوها إلى حفل الزفاف تحت إيقاع الطبول.

منذ ركبت الطائرة لأول مرة عام 1963، لم أتوقف عن السفر، سبعة وثلاثون عاما رأيت فيها بلاد العالم، كتبت الجزء الأول من رحلاتى فى كتاب صدر منذ خمسة عشر عاما. لم أنشر الجزء الثانى بعد. ربما أفعل ذلك بعد الإنتهاء من هذا الكتاب الجديد.

الطائرة تحلق بى فوق المحيط الأطلسى متجهة نحو الجنوب بعد الهبوط فى نيويورك. جاءت المضيفة الأمريكية تجر العربة عليها المشروبات، انحنت باسمة وسألتنى. ماذا تشربين يا سيدتى؟ قلت: جين تونيك. تذكرت صديقتى بطة منذ ثمانية وثلاثين عاما حين سمعت منها لأول مرة كلمة "جين تونيك". كان ذلك بعد موت أبى فى فبراير 1959. أصبح الجين تونيك مشروبى المفضل، يساعدنى قليلا على الإسترخاء، أنسى قليلا مشاكل الحياة، أتحرر من مخاوفى الراقدة فى قشرة المخ، مخاوف صغيرة مكبوتة منذ الطفولة، رغم عشقى للطيران كنت أخاف من ركوب الطائرة، أراها تسقط وتتحول إلى حطام. إهتزت الطائرة قليلا وأنا أقول "جين تونيك"، سمعت الصوت ينبعث من الميكرفون يقول: أربطوا الأحزمة، نمر ببعض المطبات الهوائية. كم مرة سمعت هذا النداء خلال رحلاتى فى العالم على مدى سبعة وثلاثين عاما؟ مئات المرات آلاف المرات، وفى كل مرة لا يحدث شئ، لا تسقط الطائرة، مع ذلك ما أن أسمع النداء حتى أتصور أن الطائرة سوف تسقط حتما هذه المرة.

أخذت كأسين من الجين تونيك، تبعتهما بزجاجة نبيذ أحمر بوردو، سرى الدفء فى أوصالى، شعرت بالنشوة، شحنة من الحياة تدفقت فى عقلى وجسدى، تلاشى الخوف من سقوط الطائرة، جاءت المضيفة الأمريكية مرة أخرى بالمشروبات، كانت ابتسامتها مشرقة كالشمس، بدت أجمل امرأة رأيتها فى حياتى، قالت بصوت رقيق، ماذا تشربين قبل العشاء يا سيدتى الجميلة، رنت كلمة جميلة فى أذنى كالموسيقى. منذ الطفولة لم يكن أحد فى عائلة أمى أو أبى يقول عنى جميلة. كنت أسمع أحيانا كلمة ذكية، لكن كلمة جميلة لم يكن ينطقها أحد، إلا فى وصف واحدة من أخواتى اللاتى ورثن بشرة أمى البيضاء، وأصابعها الناعمة البضة، واستدارات جسمها الممتلئ، وعيناها العسليتان الوادعتان، وصوتها الرقيق. كانت هذه هى مقاييس الجمال الأنثوى، أما أنا فقد ورثت بشرة أبى السمراء، القامة الطويلة النحيفة، العينان السوداوتان المرفوعتان لا يطرف لهما جفن. "تندب فيهما رصاصة بلغة جدتى والدة أمى"

فى المقعد المجاور لى بالطائرة كان هناك رجل، صعد من نيويورك لم أنتبه إليه إلا بعد الجين تونيك والنبيذ الأحمر. كان يرشف النبيذ على مهل مع حبات من الفسدق، يقرأ فى جريدة الجارديان، ملامحه من الجانب تبدو مألوفة، هذا الأنف المرتفع فى كبرياء يشبه أنف أبى، هذه الجبهة العريضة تشبه جبهة شريف، هذا الشعر الأبيض الغزير أراه فى المرآة كل يوم، بشرته مزيج من السمرة والحمرة، رغم الخطوط الغائرة قليلا حول الفم والأنف تبدو بشرته مشدودة بلا تجاعيد، هذا الوجه رأيته من قبل، ربما فوق الشاشة، يكاد يشبه جريجورى بيك، هذه الوسامة الطبيعية غير الذكورية، هذا المزيج من الشباب والكهولة والطفولة، الجسم القوى الممشوق مع بياض الشعر واستقرار الملامح، عيناه يكسوهما بريق أشبه بالجنون وهدوء مثل العقلاء والحكماء من الفلاسفة فى التاريخ، مزيج عجيب لا أدرى أهى ملامحه الحقيقة أم هو خيالى الجامح وأنا أطير فى السماء أرشف الجين تونيك والنبيذ الأحمر.

رأيته يرمقنى بطرف عين. تظاهرت أننى لا أراه. ربما كان يتأمل شعرى الأبيض الغزير مع بشرتى السمراء الملوحة بالشمس. ربما لمح البريق الأسود فى عينى وأنا أبتسم للمضيفة وأقول: زجاجة أخرى من النبيذ وقليل من الفسدق يا سيدتى. إبتسمت المضيفة ووضعت أمامى زجاجة البوردو وصحن ملىء بالفسدق والبندق. سمعت صوت أسنانى تقرقش بشهية الطفلة، كنت جائعة، أتشمم رائحة العشاء من غرفة الأكل والمضيفة ترص الصوانى فوق العربة. جاءنى صوته بعد قليل سمعته بوضوح رغم أزيز الطائرة.

- إلى أين أنت ذاهبة؟

- إلى القاهرة وأنت؟

- إلى لندن.

- هل أنت إحدى نجمات السينما؟ ملامحك مألوفة تماما، كأنما رأيتك فوق الشاشة، لا أذكر إسم الفيلم ولا المخرج، أهو فيلينى أو ستانلى كو بريك؟

ضحكت بصوت لم أسمعه بأذنى منذ تسعة وثلاثين عاما، كان ذلك فى صيف عام 1959، بعد موت أبى بخمسة شهور، قرأ المخرج صلاح أبو سيف روايتى "مذكرات طبيبة"، جاءنى فى زيارة إلى البيت، كان يريد إخراج الرواية كفيلم سينمائى، ثم قال لى قبل أن ينصرف: إيه رأيك تمثلى إنتى دور الدكتورة فى الفيلم.

ضحكت يومها وقلت: لا يمكن يا أستاذ صلاح، ليه يا دكتورة نوال؟ عندك وجه فوتوجينيك وعندك موهبة كمان، قلت، موهبة فى الكتابة وليس التمثيل، قال صلاح أبو سيف، الموهبة الفنية هى الموهبة، فى الكتابة فى الموسيقى فى التمثيل، على العموم فكرى فى الموضوع، حاتصل بيكى بالتليفون بعد أسبوع.

كانت مواعيد صلاح أبو سيف دقيقة. جاءنى صوته بعد أسبوع بالضبط يسألنى عبر الأسلاك:

- رأيك إيه يا دكتورة نوال؟

- رأيى إن الرقابة حترفض الفيلم.

- أيوه، لكن ممكن نغير بعض المشاهد فى السيناريو، كل المخرجين بيعملوا كده.

- لكن إذا غيرنا حاجة فى الرواية حتبقى رواية تانية وليست مذكرات طبيبة.

- يمكن أقدر أفوت الرواية من الرقابة، لكن قررتى إيه بخصوص التمثيل؟

خلال ذلك الأسبوع أخذت رأى الصديقات بطة وسامية وصفية، ضحكت بطة وقالت خذينى معك يا نوال طول عمرى أحلم إنى أكون نجمة سينمائية، ومطت سامية بوزها فى وجهى وقالت: تمثيل إيه وكلام فارغ إيه يا نوال دى حاجات غير محترمة فى بلادنا، وقالت صفية، أنا متأكدة إن الرقابة حترفض الرواية، وتبقى المشكلة محلولة.

كان ذلك فى يوليو 1959، مصر تتأرجح بين اليسار واليمين والوسط والإخوان المسلمين، أعوان عبد الناصر يضربون أى رأى لا يدين بالولاء والطاعة. الرقابة على الكتب والأفلام والصحف وكل شئ. رفضت الرقابة رواية مذكرات طبيبة. حاول صلاح أبو سيف مرة أخرى بعد عامين، لم ينجح فى الحصول على الموافقة، حاول مرة ثالثة عام 1966، ومرة رابعة عام 1972، ثم سمعت صوته اليائس عبر الأسلاك يقول: المشكلة ليست فى الرواية يا دكتورة، المشكلة فى إسم نوال السعداوى.

- ماله الأسم يا أستاذ صلاح؟

- بيقولوا عليكى شيوعية.

كانت المضيفة قد جاءت بالعربة عليها صوانى الطعام. سألتنى: سمك أم لحم البقر أم فراخ؟ تحيرت لحظة وقلت: ما رأيك أنتى؟ ابتسمت وقالت: كله لذيذ يا سيدتى. ضحكت وقلت: هاتى كله! ضحك الشاب الكهل الشبيه بجريجورى بيك الجالس إلى جوارى وقال للمضيفة:

- أظن أن لحم البقر الأكثر لذة يا سيدتى.

- لماذا يا سيدى؟

- لأنه مريض بالجنون.

أطلقت المضيفة ضحكة عالية متحررة من قيود الأرض، ووضعت أمامه طاجنا ملتهبا خارجا لتوه من الفرن، تفوح منه رائحة اللحم المشوى والباذلاء الخضراء. لم أكن بهذه الجرأة لأمرض بجنون البقر، رغم الجين تونيك والنبيذ الأحمر كانت خلية فى عقلى لا تزال واعية تماما، خاضعة لقيود الأرض والمنطق، تؤكد لى أن السمك المشوى أو الفراخ المشوية أفضل للصحة من اللحوم الحمراء، توقفت عن أكل اللحم الأحمر منذ عامين، بسبب ارتفاع الكوليسترول فى الدم، وبسبب ما اقرأه فى الصحف الأمريكية عن مرض جنون البقر فى بريطانيا، كان جريجورى بيك يلتهم طاجن اللحم بشهية الأطفال، أسنانه بيضاء حادة مثل أسنان الذئب، عيناه تلمعان بلون السماء الأزرق تشوبه خضرة الزرع.

- هل قال لك أحد من قبل أنك تشبهين صوفيا لورين؟

- وهل قال لك أحد من قبل أنك تشبه جريجورى بيك؟

ضحكنا طويلا وجاءت المضيفة تجر العربة عليها زجاجات الليكور الصغيرة، أنواع من المشروبات المركزة التى يشربها الأثرياء بعد وجبات الطعام كنوع من مسك الختام، أخذ زجاجة صغيرة من الكونياك "ديمى مارتن"، وأخذت أنا زجاجة من الليكور، له نكهة البرتقال، إسمه "كوانترو".

دار بيننا حوار طويل، طوال المسافة ما بين نيويورك ولندن، سبع ساعات ونصف ساعة نتحاور معا دون إنقطاع. نام الركاب جميعا فى الطائرة، إلا هو وأنا، شحنة من الحياة والسعادة تغمرنى من قمة الرأس حتى بطن القدمين، حالة من الحالات لم أعشها منذ كنت فى العاشرة من العمر، تشبه الطيران فى الحلم، أرمق جناح الطائرة الفولاذى الأسود يشق السحب اليضاء كأنما هو خيال،أو مشهد فى فيلم سينمائى، وأنا ألعب دور صوفيا لورين، ولماذا صوفيا لورين بالذات؟ فى أول الشباب حين كنت طالبة بالسنة الأولى بالجامعة كان بعض الطلبة ينتظروننى أمام مدخل الكلية، أسمع أحدهم يقول: سامية جمال جت أهه! صديقتى بطة كانت تقول أننى أشبه إستر ويليامز، لكن صفية تقول أننى أشبه صوفيا لورين. أما سامية فكانت ترانى عاطلة من الجمال، إلا العينان، فقط عيناكى يا نوال، والباقى كله لا شىء، صحراء جرداء تمط بوزها إلى الأمام، وهى تنطق الكلمتين صحراء جرداء.


"شكرا لك":
*
سجل

لا تستطيع رؤية الروابط
تسجيل او دخول
Arar
عضو جديد
*
غير متصل غير متصل

رسائل: 8


الجوائز

Arar.1393.el7ad.org

1567.1393.el7ad.org

« رد #1 في: 10/03/2007, 23:44:18 »

I enjoyed reading the story. THANKSSSSSSSSSSSSSSSSSSSS Rose
سجل
صفحات: [1] للأعلى طباعة 
شبكة الملحدين العرب  |  الآداب و الفنون  |  ساحة الشعر و الأدب المكتوب  |  ساحة الشعر والأدب المنقول (مشرفين: فستالا, سجاح)  |  موضوع: بقلم نوال السعداوي « قبل بعد »
وصلة للتقويم وصلة للتقويم
انتقل إلى:  


تم إنشاء الصفحة في 0.239 ثانية مستخدما 30 استفسار. المواضيع المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط والادارة غير مسؤولة عن محتواها Arab Atheists Network admin(at)el7ad(dot)info
free counters Google Page Rank : Google Page Rank