تكلمنا سبع ساعات ونصف دون أن أسأله أو يسألنى عن إسم أبى أو جدى، أو جنسيتى أو دينى أو قبيلتى أو عائلتى أو أى شئ آخر من هذا القبيل. بدت كل هذه الأشياء غير ضرورية، المكتوبة فى جواز السفر، وما يسمونها عناصر الهوية أو الشخصية. بدت فى تلك اللحظة كأنما هى أغطية، مجرد أغطية، تخفى حقيقة الإنسان أكثر مما تظهرها.
وكأنما جزء من الحقيقة بدأ يظهر فوق السطح، مثل جبل الثلج تحت الماء، يظهر بالتدريج مع يقظة ما يسمونه اللاوعى، أو على الأصح غياب الوعى، ربما بسبب الارتفاع الشاهق فوق كوكب الأرض واكتشاف الكواكب الأخرى، أو ربما التغيير الكيميائى داخل خلايا المخ إثر النبيذ والجين تونيك والكوانترو.
- يبدو أنك سافرت كثيرا فى بلاد العالم.
- وأنت أيضا؟
- سافرت إلى كل بلاد العالم ما عدا البلاد العربية وإسرائيل.
- لماذا؟
- لأنى غاضب من حكومة إسرائيل ومن الحكومات العربية، كنت أحد المسئولين فى الأمم المتحدة عما يسمونه مشكلة الشرق الأوسط، ثم قدمت استقالتى.
- قدمت إستقالك من الأمم المتحدة؟
- منذ ثلاثة أيام فقط فى اجتماع نيويورك الأخير.
فرد ذراعيه عن آخرهما وملأ صدره بشهيق عميق أعقبه بزفير طويل وقال: أخيرا تحررت من سجن الوظيفة بالأمم المتحدة بعد ثلاثين عاما، عشت ثلاثين عاما كالسجين، أسيرا للقوى الدولية ومحكمة العدل ومجلس الأمن، كنت أفكر كل يوم فى الاستقالة لكنى لم أكن أملك حريتى، كنت أسير لمؤسسة أخرى داخل البيت.
حركته وهو يفرد ذراعيه عن آخرهما ويقول: أخيرا "تحررت من سجن الوظيفة" يكاد يشبه أبى حين فرد ذراعيه عن آخرهما بعد أن أحالوه إلى المعاش وصاح بعد أن أخذ شهيقا عميقا أعقبه بزفير طويل: أخيرا تحررت بعد ثلاثة وثلاثين سنة، كنت رهين المحبسين الوظيفة الحكومية وسرير الزوجية.
- هل أنت متزوجة؟
- نعم.
- وعندك أولاد وبنات؟
- إبنة واحدة وإبن واحد، وأنت؟
- عندى ثلاثة بنات، تخرجت الكبرى من كلية الصيدلة لكنها لم تحب رائحة الأدوية فالتحقت بفرقة موسيقية فى سويسرا، الإبنة الوسطى درست الأدب المقارن ثم سافرت إلى باريس، حيث تزوجت زميلا لها من جنوب إفريقيا، الإبنة الصغرى فى لوس أنجلوس ضمن حركة نسائية جديدة يسمونها ما بعد الفيمينيست، ضحك بصوت طفولى وقال،
- أنا مع تحرير المرأة لكن ابنتى تعيش مع زميلة لها أمريكية، تفخر بأنها "ليزبيان"، أنا لست ضد الحرية الجنسية، لكنى لا أنجذب للذكور، ربما أكون رجل تقليدى عجوز، وأنت؟ ماذا عن إبنتك وإبنك؟
- إبنتى تخرجت من كلية الاقتصاد وحصلت على درجة الماجتستير والدكتوراة لكنها تركت كل ذلك وتفرغت للأدب وكتابة القصص والمقالات، وإبنى تخرج من كلية الهندسة واشتغل مهندسا لمدة أسبوع واحد فقط ثم تفرغ للإخراج السينمائى.
- فانتاستيك! هذا جنون رائع! وأنت؟
- أنا تخرجت من كلية الطب وكذلك زوجى شريف، لكنه ترك الطب وتفرغ للأدب وكتابة الروايات، وأنا أيضا كاتبة وروائية.
- أنتم أسرة عجيبة مجنونة، وكلكم تعيشون فى القاهرة.
- نعم.
لم يكن سألنى عن إسمى حتى ذلك الوقت، ولم أكن سألته عن إسمه، لكنى تذكرت أننى قرأت عن استقالة أحد المسئولين بالأمم المتحدة فى إحدى الصحف قبل هبوط الطائرة فى نيويورك. كان هو قد غادر مقعده واختفى قليلا ربما فى دورة المياه. رأيت جريدة الجارديان تطل من الجراب أمام مقعده، بدأت أتصفحها حتى رأيت صورته فى إحدى الصفحات، وحوار قصير معه عن أسباب استقالته. أعدت الجارديان إلى مكانها فى الجراب، عاد إلى مقعده يحمل لفة صغيرة مربوطة بشريط أخضر رفيع، وضعها فى حقيبته الصغيرة تحت مقعده، ضحك وقال:
لابد من هدية صغيرة لزوجتى أكفر بها عن ذنوبى الكبيرة.
- قرأت الحوار معك فى الجارديان؟
- ما رأيك؟
- أتفق معك فى كل شىء إلا شىء واحد!
- ما هو؟
- كان يجب أن تستمر فى موقعك ولا تستقيل، لأن شخصا آخر سوف يحتل مكانك وينفذ ما يريدون.
- أنا معك لكنى تعبت، ثلاثين سنة وأنا أعيش هذه المأساة، أشارك فى هذه اللعبة السياسية التى يسمونها اجتماعات الأمم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن، وكلها مجرد لعبة للتغطية على جرائم إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، لم تنفذ إسرائيل قرارات مجلس الأمن، بينما تقوم الأمم المتحدة بنزع أسلحة الدمار الشامل فى العراق والبلاد العربية والأفريقية والآسيوية. لم تتحرك لنزع السلاح النووى فى إسرائيل، لأن الولايات المتحدة ومعها بريطانيا، يريدان أن تكون إسرائيل القوة العسكرية النووية الوحيدة فى المنطقة، تملك إسرائيل أكثر من مائتين وخمسين صاروخ محمل برؤوس نووية، أين ستوجه هذه الرؤوس؟ إلى بغداد ودمشق والقاهرة وطهران وأنقرة وأى بلد فى المنطقة لا يدين بالولاء والطاعة! وهذه اللعبة السياسية التى يسمونها مفاوضات السلام فى الشرق الأوسط! أيمكن أن يكون هناك سلام وشعب العراق يموت منه الآلاف يوميا من الجوع تحت الحصار لأكثر من ثمانية أعوام؟ وهذه الأكذوبة عما يسمونه برنامج النفط مقابل الغذاء؟ هل يعقل أن فريق التفتيش على أسلحة الدمار الشامل فى العراق تضم موظفين فى المخابرات الأمريكية يعيدون صياغة التقارير كما يشاءون؟! هل يعقل أن يتم تحميض الأفلام فى إسرائيل، هذه الأفلام التى تم تصويرها فى العراق بواسطة فريق التفتيش؟ هل يعقل أن المخابرات الإسرائيلية الموساد كانت تزود فريق التفتيش بالمعلومات عن المواقع الهامة كى يتم تدميرها بالكامل، ولإسرائيل خبرة فى هذا منذ ضربت المفاعل النووى فى العراق، وهذه المهزلة التى يسمونها تحريك عملية السلام، والمفاوضات المسدودة لتحقيق بعض حقوق الشعب الفلسطينى، فى الوقت الذى لا تتنازل فيه إسرائيل عن شىء، بل يزداد عدد المستوطنات ويزداد عدد القتلى من الفلسطينين! وبكل أسف فإن بعض الحكومات العربية تشارك فى هذه اللعبة كما شاركت فى حرب الخليج عام 1991.
توقف عن الكلام حين سمعنا الصوت ينبعث فى الميكرفون يقول: أربطوا الأحزمة ستهبط الطائرة فى مطار لندن، هيثرو.
- أنا أعيش فى لندن منذ ثلاثين عاما، زوجتى إنجليزية وهى أستاذة فى الجامعة تدرس الفيزياء، شعرها أبيض مثلك وهى فى جنيف الآن تحضر مؤتمراً نسائيا، إنها فيمينيست من الموجة الأولى، وهى تحب النساء أيضا، حب برىء وليس مثل إبنتنا الصغرى فى لوس أنجلوس، ثم ضحك، وسألنى، هل أنت فيمينست؟!
- هذه كلمة إنجليزية، وفى لغتنا العربية نستخدم كلمات مختلفة، وإن كان المعنى هو تحرير النساء، بالطبع أنا مع تحرير النساء وتحرير الرجال أيضا، فالمشكلة تتعلق بالنظام الطبقى الأبوى منذ نشوء العبودية وحتى اليوم.
هبطنا من الطائرة، كانت الساعة فى لندن السابعة صباحا، أخرجت ساعتى الصغيرة من حقيبة يدى، كانت لا تزال حسب التوقيت فى ديرهام، متأخرة عن لندن سبعة ساعات، حركت الوقت إلى الأمام بإصبعين إثنين سبعة دورات، رأسى يدور دائما فى تلك اللحظة حين أهبط من الطائرة وأحرك الوقت إلى الوراء أو إلى الأمام، يبدو الوقت كأنما لعبة أو أكذوبة دولية أو كونية مثل قرارات الأمم المتحدة، أترنح قليلا فى مشيتى مع الدوران فى رأسى أو فى الأرض تحت قدمى ربما بسبب الساعات الطويلة فى الجو داخل الطائرة النفاثة لكن ما هى إلى لحظة ويعود رأسى ثابتا فى مكانه، والأرض ثابتة تحت قدمى، أدب بقوة على بلاط الممر اللامع، يشبه الرخام الأبيض، كعب حذائى مربع متين يشبه كعوب أحذية الرجال، لا أرتدى الكعب الأنثوى الرفيع العالى، خطواتى واسعة سريعة، فى يدى حقيبة جلدية صغيرة، وهو يمشى إلى جوارى بالخطوة الواسعة السريعة، جسمه ممشوق وشعره أبيض غزير، عيناه يكسوهما بريق طفولى، يتلفت حوله فى دهشة كأنما يرى مطار هيثرو للمرة الأولى، توقف أمام بوتيك صغير يبيع الكروت والهدايا التذكارية.
- ما رأيك أشترى لك هدية صغيرة من لندن؟
- أشكرك، ليس عندى وقت.
- متى تقلع طائرتك إلى القاهرة.
- الساعة الرابعة مساء.
- أوهوه! الساعة الآن السابعة صباحا، أمامك أكثر من ثمانية ساعات انتظار، أنا لا أطيق الانتظار فى المطارات، وأنت؟
- أنا لا أطيق الانتظار أيضا، لكن معى رواية جديدة كنت أنوى قراءتها فى الطائرة.
- ضيعت وقتك فى الكلام؟!
- أبدا، لقد استمتعت بالحديث معك.
- فاتت سبع ساعات مثل سبع دقائق، لم أشعر بالوقت.
- الوقت أكذوبة كونية مثل قرارات مجلس الأمن.
أطق ضحكة طفولية، مددت يدى لأودعه لكنه تراجع خطوة إلى الوراء وقال: ولماذا تودعينى الآن وأمامك ثمانية ساعات؟! ما رأيك فى فنجان قهوة كابيتشينو وقطعة كرواسان؟ لا أحد ينتظرنى فى البيت وليس عندى عمل بعد الاستقالة، ويمكن أن أبقى معك قليلا إن شئت.
دخلنا إلى الكافيتيريا، نكهة القهوة تملؤنى بالانتعاش، أتشمم النكهة، أملأ بها صدرى فى شهيق عميق، ألامس بطرف لسانى رغوة اللبن المغلى الممزوج بالبن، يحترق طرف اللسان من شدة السخونة، مع ذلك لا أتغط ولا أتوقف عن تكرار أرتشاف السطح الملتهب، كما كنت أفعل فى طفولتى، أرشف الشاى واللبن المغلى، يتصاعد البخار إلى أنفى، أتلقاه فوق وجهى، تمتصه مسام بشرتى، أقضم على قطعة الكرواسان كأنما هى الفطيرة التى كانت أمى تخرجها من الفرن، وهو يرمقنى بعينين يكسوهما البريق، كأنما رأيت هذا البريق وهاتين العينين فى مكان وزمان لا أدرى عنهما شيئا، كأنما أنا أجلس فى هذه الكافيتريا فى مطار هيثرو منذ زمن بعيد، منذ وعيت الحياة وأصبح عندى ما يسمى الوعى، كأنما سأبقى جالسة هكذا فى مكانى إلى آخر الزمن، حتى يتسرب منى الوعى وأموت.
بعد لحظة واحدة أفيق إلى أننى أجلس إلى رجل غريب، تصادف أن جلس إلى جوارى فى الطائرة من نيويورك إلى لندن، أننى أجلس معه فى الكافتيريا داخل صالة الترانزيت، أقرأ كلمة "الترانزيت" باللغة الإنجليزية، أعرف أنها تعنى الانتظار المؤقت الذى سوف ينتهى عاجلا بعد دقائق أو ساعات قليلة.
- أنت شاردة تماما فيم تفكرين؟!
- هذه الحياة غريبة جدا، تصور أن …
- نعم أتصور أن الصدفة أغرب من الخيال.
- عندنا مثل عربى يقول: رب صدفة خير من ألف ميعاد.
- هى تبدو لنا صدفة، لكنها ليست صدفة، وقد ركبت آلاف الطائرات وجلس إلى جوارى آلاف الرجال والنساء ومع ذلك لم أتبادل كلمة واحدة مع أى منهم، إنها ليست صدفة يا ……… فجأة توقف عن الحديث، إتسعت عيناه بدهشة، تصورى لم أعرف إسمك حتى الآن! أنت عرفتى إسمى من الجارديان، لكن أصدقائى ينادوننى باسم "بيل".
- اسمى نوال يا بيل.
- نافال؟!
- نوال، بالواو.
- ناوال.
- لا توجد ألف بعد النون، نوال.
- نوال؟
- أيوه هذا صح!
- يا له من إسم عجيب، نوال!
أصبح ينطق الإسم على نحو صحيح، لم تكن كلمة "نوال" سهلة النطق لمن لا يتكلمون اللغة العربية أغلب أصدقائى الأجانب وصديقاتى ينطقون إسمى "نافال" أو ناوال، دائما بالألف بعد النون، لكنه أصبح ينادينى نوال كأنما يعرف اللغة العربية.
- هل تعرف بعض كلمات عربية يا بيل؟
- كلمات قليلة جداً مثل شوكرن.
- شكرا وليس شوكرن.
- شوكرا.
- شكرا، بدون الواو بعد الشين.
- شكرا
- أيوه هذا صح.
- شكرا نوال.
- الإسم يأتى أولا، نقول: نوال، شكرا، وليس شكرا نوال.
- - نوال، شكرا.
أطلق ضحكته الطفولية المعدية، ضحكت وأنا أعلمه النطق الصحيح، وهو ينطق الحروف بدقة كأنما سيتكلم اللغة العربية حتى الموت، وأنا أضحك كما كنت أضحك فى المدرسة الإبتدائية فى منوف.
- سأقول لك سر يا نوال، لو قلتى لى تعالى معى إلى القاهرة سأشترى تذكرة وأركب معك الطائرة الساعة الرابعة، لكنى أعرف أنك لن تقولى هذا، لأنك إنسانة عاقلة، وأنا أيضا عاقل، لكن هذا العقل جعلنى سجين الوظيفة ثلاثين عاما، هذا العقل قضى على سعادتى فى الحياة ولقد جاءتنى بعض الفرص القليلة لأخرج من السجن لكنى كنت أخاف، منذ عشرة أعوام تقريبا، قابلت إنسانة مثلك فى مؤتمر الأمم المتحدة فى جنيف عام 1986، كدت أترك كل شىء وأسافر معها إلى ريو دى جانيرو، لكنى تراجعت وعدت إلى السجن، مثل المحكوم عليه بقرار مؤبد من قوة عليا مجهولة.
- ربما هى مارجريت تاتشر، أطلق ضحكة ثم واصل الحديث،
- تقريبا كل عشر سنوات ألتقى بهذا النوع من الناس، نساء أو رجال، هذا النوع من الصداقة النادرة التى لا تعرف الفروق المصنوعة يبن البشر، لا الجنس ولا الجنسية ولا الدين ولا اللون ولا العرق ولا إسم العائلة، فقط الإسم الأول، نوال.
حين نظرت إلى الساعة وجدتها الواحدة والنصف، مضت ستة ساعات ونصف ونحن نتكلم دون أن نشعر، كانت الكافيتريا قد ازدحمت بالمسافرين، ناس يجيئون يجرون حقائبهم ثم يروحون، ويأتى غيرهم بحقائبهم ثم يمضون فى حياتهم دون أن يتركوا وراءهم أثرا، أتأمل وجوه المسافرين، رجال ونساء وأطفال، كأنما رأيت هذه الوجوه من قبل فى كل المطارات، وهذه الحقائب يجرونها فوق العجلات، وهذه الفتاة الجرسونة التى تحمل الصينية فوقها الصحون والأكواب وتجرى بين الموائد، وصوت الملاعق، وفرقعات سدادات الزجاجات، وصوت الثلج داخل الكئوس، ورائحة الشواء والطواجن الخارجة من الفرن.
- لابد أنك جائعة وقد أتى موعد الغداء، أنا شخصيا أشعر بجوع غريب، ماذا تشربين قبل الغداء، جين تونيك؟!
- حكيت له عن صديقتى بطة وأول مرة أسمع كلمة الجين تونيك منذ سبعة وثلاثين عاما فى عيادتى الطبية، بميدان الجيزة عام 1959، بعد وفاة أبى.
- أنت طبيبة يا نوال؟
- نعم، ولكنى كرهت المهنة، أغلقت عيادتى منذ سنين طويلة.
- وماذا تعملين الآن؟
- أكتب روايات وقصص!
- فانتاستيك! أنت مجنونة يا نوال، وأنا أحب هذا الجنون، أنجذب إليه لأنى افتقده، لقد فقدت جنونى ثلاثين عاما داخل السجن، أصبحت موظفا بالأمم المتحدة أشارك فى مهنة السياسة الدولية دون أن أومن بها، وأخيرا بعد ثلاثين سنة أحرر نفسى، لكن بعد فوات الأوان يا نوال، كان حلم حياتى أن أكون موسيقيا مثل شوبان أو موتسارت.
- ليس هناك شىء إسمه فوات الأوان، أنت لازلت فى ريعان الشباب يا بيل.
- لكنى أرى نفسى فى المرآة كهلا عجوزا.
- المرآة خادعة وكاذبة مثل قرارات الأمم المتحدة! ضحكنا ونحن نرشف الجين تونيك ثم طلبنا زجاجة النبيذ الأحمر، مع السمك المشوى وطاجن أرز فى الفرن، وسلاطة خضراء من الخيار والطماطم والخس.
ثم سمعنا الصوت يعلن فى الميكرفون عن توجه المسافرين للقاهرة إلى باب الخروج رقم أربعة. سار معى حتى باب الخروج، توقف لحظة يصافحنى، تظاهرت أننى لا أرى عينيه، ابتسمت وأنا أشد على يده وأقول:
- سنلتقى مرة أخرى يا بيل.
- هذا أكيد يا نوال، سأكتب إليك ومن يدرى ربما تريننى فى القاهرة قريبا جدا.
* * * *
إستدرت قبل أن أختفى وراء باب الخروج، رأيته واقفا يلوح لى بيده، عيناه فيهما حزن عميق، سرت نحو باب الطائرة بخطوات بطيئة ثقيلة، جلست فى مقعدى بجوار النافذة، دخل رجل وجلس فى المقعد المجاور لى، وجهه أبيض منتفخ باللحم، كتفاه عريضان مثل مروضى الثيران فى أسبانيا، خلع الجاكت وناوله للمضيفة بحركة ذوى السلطة والنفوذ، جلس وملأ المقعد بجسده الضخم، فتح حقيبة سوداء سامسونايت وأخرج منها بعض الأوراق، راح يبحلق فيها بعنين جاحظتين قليلا، أسند رأسه إلى الوراء، ثم راح فى سبات عميق.
* * * *
فى مطار القاهرة كان ينتظرنى شريف، ومنى وعاطف، الوجوه الثلاثة الحميمة رأيتها تطل علىَّ وأنا أخرج من الباب أجر العربة فوقها الحقائب، تعانقنا بحرارة الشوق والحب، سرت بينهم أملأ صدرى بنسمة الوطن الدافئة، فى الليل قبل أن يحوطنى شريف بذراعيه حكيت له ما حدث فى مطار هيثرو. ابتسم شريف بهدوئه المعتاد وقال، أول ما شفتك فى المطار قلت نوال راجعة من مغامرة مثيرة، مشكلتك يا نوال إن كل حاجة بتبان فى عنيكى، وضحكنا كما كنا نضحك منذ ثلاثين عاما حين كنا نحكى عن المغامرات قبل الزواج
"شكرا لك":
*