الافتراضيون
عبرت ذلك الحاجز الوهمي الحقيقي بين عالمين , أوصدت الباب , خلعت عنها البدلة الرسمية و العقل الراجح , و ارتدت جنونها ... جلست باحتفالية صبيانية أمام شاشة الحاسوب , كانت الرنات المميزة لاتصال جهازها بالعالم الافتراضي تحرك روحها و قلبها و تسمر عينيها الى تلك النافذة الصغيرة ذات الالوان الباستيلية في انتظار اشراقها , و كانت العينان تتألقان عندما تقعان على ذلك الاسم بعينه ... مالفا ..... انه هنا , لايهم ان كان مشغولا أو بعيدا , المهم أنه هنا , في متناول القلب ...
أتقنت تلك الحركات و تمسكت بها جدا بدلع يتنافى مع شخصها العملي _ لا تبادره التحية أولا و تنتظر أن يبدأ هو ...
أيتها المجنونة ! ما هذه الحركات ؟ كأنك لا ترينني !-
ترد بضحكتها دائما :
- لا تلمني , انها العادة التي تحكمني , و انت ألا تحكمك عادة ما ؟
- نعم عادة التحدث اليك كل يوم !...
كان حديثهما اليومي نوعا من الادمان حاولا مرارا أن يحدا منه , الا أن النتيجة كانت دائما تأتي معاكسة , مثل من يحاول الاقلاع عن التدخين فيعود اليه بشراهة أكبر .
في طرف من العالم الواقعي .هي سيدة أعمال ناجحة و امرأة تعلم جيدا كيف تعيش في قوانين ذلك العالم , منذ مدة ربطت أيامها القادمة برجل ناجح أيضا , و لم يبقى سوى أشهر قليلة لتصبح زوجته , و تشاركه البيت و الليالي و الأبواب الموصدة ...كانت تعي تماما أنها لن تتمكن عندئذ من اغلاق أي باب و ستكون الرحلة الى العالم الافتراضي شبه مستحيلة .
في الطرف الاخر من العالم الواقعي . كان مالفا ينحت الحجر , و يعصر الحديد , يشكله من روحه جنونا و قطعا فنية كانت تلقى اعجابا و مشترين في البلد الذي اغترب اليه منذ سنين . و لان الغربة باردة , و المرأة دافئة , كان لا بد من وجود باتريسا ما في حياته ...
أدركت باتريسا أن هناك تغيير ما حصل منذ شهور و بدات تعي تماما أن وراء ذلك الباب المغلق و الليالي الطويلة أمام شاشة الحاسوب شيئا ما يخطف مالفا منها ..
انه صباح الثامن من مارس . قبل أن تحتسي قهوتها الصباحية تفقدت بخبث بريدها الالكتروني , تلقت هديتها الالكترونية بفرح طفولي , كادت تلمس القرنفلة الحمراء و خيل اليها أن عطرها ملأ فضاء الغرفة !..
هذا الصباح بحث طويلا عن صورة لقرنفلة حمراء تليق بعينيها ...و بحث طويلا عن مفردات تهنئة مختلفة مثلها ...
خيل اليه أنه أرسل مع رسالته جزءا من قلبه حط بين يديها , تامل فضاء عينيها .. و همس لها .. / كل عام و انت أحلى / ...
انه مساء الثامن من مارس .في طرف من العالم كانت تحتسي الشمبانيا في مطعم دعاها اليه زوج المستقبل القريب ... ضحكت و رقصت و نثرت فرحها الداخلي بسخاء ... فرح أشعلته صباحا قرنفلة مالفا الحمراء .
و في طرف أخر من العالم , كانت احتفالية مالفا بباتريسا ماسونية الأجواء .... في غرفته في ذلك الحي القديم .. أضواء شموع .. قرنفلة حمراء اشتراها بدون عناء بحث من أول بائع زهور التقاه ... و زجاجة نبيذ أحمر .. و عينا باتريسا الجميلتين الشبقتين ....هذا ما كان يحتاجه مالفا الليلة ليعبر للمرأة التي شاركته لياليه و لحظات شهوته مدة سنتين كم هو يحترم المرأة و كم هي مخلوق عظيم !..و هذا ما كانت تنتظره باتريسا في هذا اليوم الاستثنائي ....
في الطرف الاخر من العالم . أوصلها الى بيتها محملة بوروده الحمراء و هديته ... وضعت الورود في مزهرية بهدوء .. فضت غلاف الهدية , أعجبت بها بطريقة ألية ... لم يكن لديها ما تسرع اليه فهي لن تدخل عالمها الافتراضي الليلة ... تعلم جيدا ان مالفا سيحتفل بيوم المرأة اليوم بطريقته الخاصة !..
ضحكت من فكرتها الغبية ... غيرة افتراضية أيضا ؟!!!!!!
سهى رحال 7 / 3 / 2007 Rostov
"شكرا لك":
*